الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

270

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا . وهنا قد يثار هذا السؤال ، وهو : إن كلام ذلك الرجل المغرور المتكبر الذي مر ذكره في الآيات الآنفة ، لم يصرح فيه بإنكار الحق جل وعلا ، في حين أن جواب الإنسان المؤمن ركز فيه أولا على إنكاره للخالق ! ؟ لذلك فإنه وجه نظره أولا إلى قضية خلق الإنسان التي هي من أبرز أدلة التوحيد والتوجه نحو الخالق العالم القادر . الله الذي خلق الإنسان من تراب ، حيث امتصت جذور الأشجار المواد الغذائية الموجودة في الأرض ، والأشجار بدورها أصبحت طعاما للحيوانات ، والإنسان استفاد من هذا النبات ولحم الحيوان ، وانعقدت نطفته من هذه المواد ، ثم سلكت النطفة طريق التكامل في رحم الأم حتى تحولت إلى إنسان كامل ، الإنسان الذي هو أفضل من جميع موجودات الأرض ، فهو يفكر ويصمم ويسخر كل شئ لأجله . نعم ، إن هذا التراب عديم الأهمية يتحول إلى هذا الموجود العجيب ، مع هذه الأجهزة المعقدة الموجودة في جسم الإنسان وروحه ، وهذا من الدلائل العظيمة على التوحيد . وفي الجواب على السؤال المثار ذكر المفسرون تفاسير متعددة نجملها فيما يلي : 1 - قالت مجموعة منهم : بما أن هذا الرجل المغرور أنكر بصراحة المعاد والبعث أو شكك فيه ، فإنه يلزم من ذلك إنكار الخالق ، لأن منكر المعاد الجسماني ينكر في الواقع قدرة الله ، ولا يصدق بأن هذا التراب المتلاشي سوف تعود له الحياة مرة أخرى ، لذا فإن الرجل المؤمن مع ذكره للخلق الأول من تراب ، ثم من نطفة ، ثم بإشارته للمراحل الأخرى - أراد أن يلفت نظره إلى القدرة غير المتناهية للخالق حتى يعلم بأن قضية المعاد يمكن مشاهدتها هنا وتمثلها بأعيننا في واقع هذه الأرض .